لمحة مبسطة عن الموجات الجاذبة Gravitational Waves

24 مارس
تخيّل سطح الماء الساكن ، إن قمت بتحريك يدك على الماء فإنه ستتشكل تموجات على السطح، وهذه الموجات ستتبع مسار يدك..
484302146_d1
نفس الفكرة يمكن تطبيقها على فضاء الزمان-المكان (العالم رباعي الأبعاد)، حيث تنبّأ آينشتاين عام (١٩١٦) في نظريته النسبية أن هذا الفضاء ليس بفراغ، وإنما يمكن اعتباره  كسطح من النسيج “القماش”، وأن حركة الأجسام ذات الكتلة الهائلة في هذا الفضاء تُولّد موجات تسمى بالموجات  الجاذبة. وهذه الموجات تنتشر في فضاء الزمان والمكان وستؤثر على حركة الأجسام المحيطة..
LIGO-Confirm-Existence-of-Gravitational-Waves-1st-Predicted-by-Albert-Einstein
الموجات الجاذبة ضعيفة جداً لذلك يصعب رصدها، لكن تسارع الأجسام ذات الكتلة الهائلة في الفضاء أو تباطؤها، انفجار النجوم و تصادم الثقوب السوداء، جميعها تُولّد طاقة تنتقل في فضاء الزمان-المكان على شكل موجات يمكن رصدها إن توفرت الأجهزة ذات التقنية العالية..
منذ أن أعلن آينشتاين وجود الموجات الجاذبة، والعلماء يحاولون رصدها. وفي عام (٢٠١٦) تمكن العلماء أخيراً من رصد الموجات الحاذبة في معمل LIGO : Laser  Interferometer Gravitational-Wave Observatory ، وبذلك تم إثبات نظرية تنبأ بها العبقري آينشتاين قبل مئة عام.
الموجات التي تم رصدها في LIGO هي موجات جاذبة ناتجة عن ثقبين أسودين – كتلتهما أكبر من كتلة الشمس ب ٢٩ إلى ٣٦ ضعف-  تصادما قبل ١.٣ مليار سنة، ونتجت موجات جاذبة عن هذا التصادم ووصلت للأرض هذا العام..
merging-black-holes-ligo

محاكاة لثقبين أسودين اندمجا لتكوين ثقب أسود واحد

والصوت الذي تم رصده لحظة اندماج الثقبين :
الطاقة المتولدة عند لحظة الاندماج كانت هائلة ومدمرّة، لكن لحسن حظنا على كوكب الأرض فإن هذه الموجات وصلت إلينا بعد أن أصبحت أضعف بمليون مرة.. وتسبب هذه الموجات تقلص (وتمدد) الأجسام التي تعترضها.. وحسب LIGO فإن الموجات الجاذبة التي تم رصدها سببت ..تمدد وانكماش للأرض بمقدار ٠.٠٠٠٠٠١ من النانو متر، وهو ما يعادل مقدار قطر الذرة تقريبا .. الموجات الجاذبة موجودة من حولنا، ويتعرض لها الأرض وجميع الأجسام في الكون، لكن كما ذكرنا فهي ضعيفة جداَ بحيث لا يظهر أثرها..
فيديو نشره معمل LIGO لشرح الموجات الجاذبة بشكل مبسط
اكتشاف الموجات الجاذبة عدا أنه يثبت النظرية النسبية لآينشتاين، فإنه يعطي مفهوم أعمق لقوى الطبيعة والكون، ويفتح أبواب جديدة للعلماء..
تجدر الإشارة إلى أن هناك فرق كبير بين الموجات الجاذبة “Gravitational Waves” التي تنبأ بها أينشتاين في نظريته النسبية، وبين موجات الجاذبية “Gravity Waves” والتي تنشأ بسبب قوى الجاذبية التي تمتلكها الكواكب والأقمار..
والصورتين توضحان الفرق بين الموجات الجاذبة “تموجات في فضاء الزمان-المكان” والناشئة من دوران ثقبين أسودين حول بعضهما،  وبين  موجات الجاذبية “الناتجة من قوى الجاذبية “الأرضية (قوى الجاذبية الأرضية هي القوة التي تسحب الأجسام نحو مركز الأرض) وتظهر موجات الجاذبية على سطح الموائع.. مثلا الصورة توضح تشكل موجات على سطح المحيط بسبب قوى الجذب والطرد..

 هل سيحظى اكتشاف الموجات الجاذبة على جائزة نوبل هذا العام؟ سنرى ذلك قريباَ!

شيرين

علم الفيزياء، بين الواقع والخُرافات

3 أغسطس

على الرغم من انتشار العلم بين الناس، وتعدّد مصادر البحث العلمي، إلا أنه وللأسف ما زالت هناك فئات تُؤمن بالخرافات.. وما أقصده “بالخرافة” هنا، هو أي تفسير لظاهرة غيبية أو غير مرئية باستخدام تبريرات -قد تبدو علمية- لكنها لا تمتلك لا دليل علمي، ولا دليل شرعي.. ومن أمثلة الاعتقادات المنتشرة بين الروحانيين ودارسي علم النفس:أن الإنسان يملك هالة تحدد مصيره في الكون، أو أن التفكير الإيجابي يبعث موجات تجذب الأحداث الجميلة وهلم جراً..
هناك عدة فئات اختلقت وروّجت لمثل هذه الخرافات، منها:
– فئة الروحانيين الذين يبحثون عن الشهرة أو القدسية بين الناس، وجدوا أن أسهل طريقة لكسب تصديق الناس، هي إقناعهم بأن ما يتحدثون عنه مبني على أسس علمية.
– فئة رجال الدين في العالم الغربي، حيث فقدوا كثيراً من هيبتهم ومكانتهم في المجتمع. ووجدوا بأن الناس باتوا يكفرون بما ذُكر في كتبهم المقدسة، كالملائكة والجن. فوجد هؤلاء أن أفضل طريقة لجعل المجتمع العلماني الكافر يؤمن من جديد، هي المقارعة بالعلم.
– فئة من طلاب العلم، المهووسون بتحقيق سوابق علمية، للشهرة أو المال. فانصرفوا لعلم الغيبيات. وحين انصرفوا بوقتهم وعلمهم نحو مواضيع غيبية، اضطرّوا لتقديم فرضيات غير مُثبتة للعالم حفاظاً على ماء الوجه، ولكسب المزيد من الوقت.
الخلاصة، أن جميعهم اقتنعوا بأن أفضل وسيلة لشراء العقول والترويج لهذه الخرافات، التبرير العلمي.
وتعتبر الفيزياء للأسف أرض خصبة لمُروّجي هذه الخرافات لعدة أسباب:
١- الفيزياء غنيّة بالقوانين والمصطلحات التي تُفسّر الظواهر الطبيعية، كالموجات، والطاقات والأطياف..إلى آخره. وهي بالتحديد ما سوف تخدم الفئات السابقة.
٢- الفيزياء تمتلك طابع معقّد لغير المتخصصين بها، لذلك فإنه من السهل تلفيق مبرر علمي لأي فكرة باستخدام إحدى المصطلحات غير المفهومة، وبالتأكيد لن يستطيع غير المتخصصين من مجادلتهم أو التشكيك فيهم.. فالرونق المعقد للتبرير العلمي يترك لدى الناس انطباع المصداقية.
٣- لا توجد محاولات جدية من الفيزيائيين في العالم الغربي لدحض هذه الخرافات، إما لانشغالهم بالواقع والمعامل، أو لأنهم يعتبرون الحديث في الروحانيات أمر لا يستحق إضاعة الوقت. مع ذلك بدأت تظهر فئة فيزيائية تستند على فرضيات لترويج الإشاعات. إما طمعاً في الشهرة، أو لطباعة كتاب يحقق أعلى المبيعات، وربما يتم تمثيله كأحد أفلام هوليوود للخيال العلمي.

لكن السؤال الأهم، كيف انتشرت هذه الخرافات بيننا كمسلمين..
نحن كمسلمين نؤمن بالغيبيات، وبالروح وبالملائكة والجن والشياطين … إلى آخره. فحين وقع نظر البعض على وجود “مبررات علمية” تدعم ما يؤمن به كمسلم، غلبت عليه نشوة الفرح بأن هناك مبرر علمي لما جاء في القرآن أو في السنة المُطهّرة.. فأخذ هذه المبررات ونشرها وآمن بها كحقائق دون أن يعلم بأنها مجرد افتراضات.
على سبيل المثال، نحن كمسلمين نؤمن بقوله صلّى الله عليه وسلّم:(الأرواح جنودٌ مُجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تنافر منها اختلف) ، ونؤمن بحديث ابن هريرة: قال النبي – صلى الله عليه وسلم – : يقول الله تعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم ، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا ، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة ).
وكلاهما من رواية البخاري ومسلم.
الحديث الأول، يُقدّم لنا حقيقة ائتلاف بعض الأشخاص وتنافر الآخرين. والثاني، يشجعنا على الرجاء والتفاؤل والإيمان بعظمة وكرم الله تعالى.
ومن جهة أخرى كانت هناك بعض التفسيرات التي قدمها الغرب، مثل أن جسم كل إنسان يبعث موجات، وإن توافقت مع موجات شخص آخر يحصل التوافق والعكس.. وأن التفكير الإيجابي يجعل الجسم يُطلق موجات بترددات معينة تجذب الأحداث التي تتفق مع الفكرة الإيجابية. فتحمس البعض، لأنها في ظاهرها تتوافق مع ما نؤمن به، فسلّموا بها واعتبروها حقائق علمية. وتجاهلوا حقيقة أن كل هذه التفسيرات ليست سوى افتراضات لا تمت للعلم بصلة، وليس لها دليل أو إثبات علمي واحد.
لا تحتاج لأن تكون متخصصا بالفيزياء، لكن اسأل نفسك، لو كان التأليف بين الناس يعتمد على موجات محسوسة ويمكن قياسها، لماذا لا نؤلف بين جميع البشر ونحيا بسلام؟
لو استطعنا إطلاق موجات تجذب الحدث المطلوب، لماذا لا يتحد جميع المسلمين لإرسال موجات مُكثفة بتردد واحد لتحرير القدس؟
لا يهمني من يؤمن بالخرافات من الغرب، فقد وقعوا فيها بسبب الجشع المادي من جهة، والفراغ الإيماني من جهة. لكن السؤال الذي يؤرقني، لماذا ننظر نحن كمسلمين إلى المبررات العلمية المُلفقة وكأنها نقطة في صالح الدين ولما جاء في القرآن والسنة؟ ديننا متكامل ولا يحتاج منا أن نقف على عتبة الروحانيين وبائعي القصص العلمية الخرافية لنشعر بشعور أفضل نحوه.
لو كانت هناك حقيقة علمية مثبتة ولا تنافي العقل، أهلاً وسهلاً بها لكنها لن تزيد من قدر إيماننا، لأننا من قبل اكتشافها نثق بحقيقة ما ورد في كتاب الله عز وجل وسنة نبيه.
حين أتشبث بفرضيات خرافية لا تمت للعلم بصلة، فأنا بذلك لستُ أخدم الدين، بل أسئ إليه لأنني بهذه الطريقة أحاول اختلاق مبررات تنافي العقل وكأني أبحث بيأس عما يدعم الدين، في حين أن الدين ليس بحاجة لمثل هذه الخرافات. والأدهى والأمرّ أن اختلاق هذه التبريرات يأتي غالباً من روحاني الغرب، والبوذيين، أو عبيد الشهرة.
يُقدم لنا علماء الدين تفسيرات للأمور الغيبية، مثل الروح والجن وحقيقة السحر والعين.. والتفسيرات الدينية في الأمور الغيبية أصدق وهي الأولى بالاتباع.
لذلك، حين تقرأ أي تبرير علمي، ابحث عن الإثبات.. بدون إثبات هو مجرد فرضية وقد تكون خرافة. واحذر من إلصاق الخرافات بتعاليم ديننا الإسلامي “الكامل”..

نؤمن بالغيبيات، لكن محاولة الإنسان لتفسير كل ما هو غيبي دليل على عِظم جهله وغروره. هل يظن الانسان أنه بعقله الصغير سيستطيع أن يكتشف جميع أسرار ما خلقه الله في الكون؟ طبعاً لا.. نتعلم، ونبحث فيما خلقه الله من حولنا. لكن علينا أن نعي بأن هناك أمور تفوق قدرة واستيعاب البشر. لذلك لا داعي لأن نعيش في دوامة محاولة تفسير كل الغيبيات باستخدام العلوم المحسوسة الطبيعية، لأن جميع البشر في نهاية المطاف، سيقفون مكتوفي الأيدي أمام عظمة الله عز وجل.

 

بقلم / شيرين السالمي

لمحة مبسطة عن الطاقة النووية

6 يناير

Power-Plant

في هذه المقالة سأحاول تقديم شرح مبسط ومختصر لمعنى الطاقة النووية وسأقدم بعض المعلومات العامة عنها.

مقدمة

تتكون المادة من ذرات، كل ذرة عبارة عن نواة موجبة تحيط بها مجموعة إلكترونات سالبة الشحنة. فلنسلط الضوء على النواة فحسب.. النواة عبارة عن تجمع لبروتونات موجبة ونيوترونات متعادلة. وأبعاد النواة تتراوح بين ١.٧٥ إلى ١٥ فيرمي (الفيرمي =10^(-15) م). جميعنا نعلم بأن الشحنات المتشابهة تتنافر، فكيف استطاعت البروتونات الموجبة التجمع داخل النواة ولم تتنافر؟ وكيف استطاعت التجمع في حيز صغير جداً أبعاده تبلغ جزء واحد من من ألف تريليون جزء من المتر (كوادريليون)؟ الجواب: طاقة الترابط النووي.
طاقة الترابط النووي مسئولة عن التغلب على قوة تنافر الشحنات، وتجميع الجسيمات في حيز صغير جداً لتكوّن النواة، وهي المسئولة عن ترابط هذه الجسميات وتماسك النواة.

كيف نحصل على الطاقة النووية؟
إذا استطعنا إطلاق قذيفة (جسيم سريع جداً) على النواة، وكانت طاقة القذيفة أعلى من طاقة ترابط النواة، فالنواة سوف تنقسم، وانقسام النواة سينتج عنه إطلاق طاقة هائلة تسمى “بالطاقة النووية”.
ولأن الطاقة النووية الناتجة من انقسام النواة كبيرة جداً، فقد سعى الإنسان للاستفادة منها بعدة طرق..وتم إنشاء محطات الطاقة النووية في العالم لتوليد الطاقة النووية، وتحويلها إلى أشكال أخرى من الطاقة يمكن الاستفادة منها مثل الطاقة الحرارية والكهربائية..

ما العنصر المستخدم لإنتاج الطاقة النووية؟
عنصر اليورانيوم U-235 هو المستخدم في توليد الطاقة النووية لسهولة انقسام نواته. ويوجد اليورانيوم على الصخور، يتم استخراجه ثم تخصيبه قبل الاستخدام. الصورة التالية توضح رسم مبسط لانشطار اليورانيوم:

Collision

والدول المصدرة لليورانيوم هي كالتالي:

securedownload

ما مقدار الكهرباء الذي تنتجه محطات الطاقة النووية؟
متوسط الطاقة الكهربائية التي تنتجها محطة نووية واحدة تقارب ١٢ تريليون وات في الساعة (التريليون = مليون المليون). هذه الكمية من الطاقة نحصل عليها باستخدام 2500 طن من الفحم تقريباً.

ماهي الدول التي تستخدم الطاقة النووية؟
يوجد بالعالم ٤٣٧ مفاعل نووي يعمل، و٦٤ مفاعل قيد الإنشاء. والرسم البياني التالي يوضح قائمة الدول التي تمتلك مفاعلات نووية لتوليد الكهرباء:

securedownload

والرسم البياني التالي يوضح المفاعلات قيد الإنشاء:

securedownload (1)

على الرغم من البلايين التي يتم صرفها على الدراسات وبناء محطات الطاقة النووية، إلا أن استخدام المفاعلات النووية لإنتاج الطاقة ما زال يشكل موضوع خلاف كبير. انقسم الرأي العام ما بين فئة مؤيدة ومعارضة لاستخدام المفاعلات النووية، ولكل فئة حججها وأسبابها. قمت في الجدول التالي بتلخيص أهم نقاط الجدل بين الفئتين:

Nuclear_Power_Pros&Cons

حتى يومنا هذا، مازال هناك صراع في الرأي العام.. من جهة ما زالت المفاعلات النووية تعمل والدراسات قائمة على قدم وساق، وما زال ناشطوا البيئة والمعارضون لاستخدام المفاعلات النووية ـ من جهة أخرى – يناشدون بإيقاف استخدامها.

فيديو جديد لقفزة فيليكس

28 أكتوبر

قامت قناة
National Geographic
والتي احتفظت بحقوق النشر
بنشر مقطع فيدو جديد من الكاميرا المثبته بخوذة فيليكس..

حقائق وأرقام بخصوص قفزة فيليكس

19 أكتوبر

في مقالتي السابقة، حاولت تقديم بعض التفسيرات العلمية المبسطة قدر الإمكان حول قفزة فيليكس.. ومن ردود الأفعال والتساؤلات اتضح لي أن المشككين ينقسمون إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: يميلون إلى تصديق الأرقام ، وحين لم تنتج لهم المعادلات الفيزيائية الأساسية نفس الزمن الذي تم استغراقه في القفزة، شككوا فيها. وهذه المجموعة على الأغلب من ذوي التخصصات العلمية.
المجموعة الثانية: يميلون إلى تصديق المشاعر، فمشاعرهم ترفض اتباع أمريكا، ويخشون أن تكون قفزة فيليكس مكيدة أمريكية عظمى.
المجموعة الثالثة: يميلون إلى “عدم التصديق” بأي شكل كان، ويرون أن القفزة بأكملها مجرد فيلم سينمائي قدمته أمريكا للعالم..
سبب كتابتي لهذا المقال التعقيبي تقديم بعض الأرقام والحقائق التي تم سؤالي عنها بشكل مكثف..

المجموعة الأولى:
معضلتهم الأولى: “إذا فعلاً تجاوز فيليكس سرعة الصوت لماذا استغرق ٤ دقائق حتى وصل للارتفاع الذي فتح عنده مظلته؟”
سأقوم بوضع القفزة في مسألة فيزيائية مبسطة:
أقصى ارتفاع وصل إليه فيليكس هو ١٢٨١٠٠ قدم (٣٩٠٤٥ متر)، وفتح مظلته على ارتفاع ٥٢٠٠ قدم (١٥٨٥ متر) أي أن المسافة التي قطعها رأسياً والتي تهمنا في الحساب هي ١٢٢٩٠٠ قدم (٣٧٤٦٠ متر).. السرعة الابتدائية لفيليكس صفر، والنهائية (عند فتح المظلة) ٨٣٣.٩ ميل/ساعة (٣٧٣ م/ث)
القانون الفيزيائي المستخدم في هذه الحالة هو:
الزمن المستغرق = المسافة/ متوسط السرعة
متوسط السرعة= (السرعة الابتدائية+ السرعة النهائية) / ٢ = ١٨٦.٥ م/ث
الزمن المستغرق= ٢٠١ ثانية = ٣.٣٥ دقيقة..
وسبب الاختلاف البسيط بين السرعة التي حسبناها بالقوانين وسرعة فيليكس أن القانون يطبق في حالة السقوط الرأسي بدون وجود تدخلات خارجية، أما في حالة فيليكس ، فقد تعرض لحالة برم ودوران لمدة ١٠~ ٢٠ ثانية، لو أخذنا هذه الثواني في الحسبان لاقتربت القيمة من ٤ دقائق..
معضلتهم الثانية:” إن كان فيليكس فعلاً قد تجاوز سرعة الصوت فهو بذلك يكون قد أبطل قوانين الفيزياء”
هذه المجموعة التبس عليها الفرق بين سرعة الضوء، وسرعة الصوت.. فالنظريات الفيزيائية تنص على أنه لا يمكن لأي جسم تجاوز سرعة “الضوء” والتي تساوي ٣٠٠ مليون م/ث.. فيليكس تجاوز بقفزته سرعة الصوت والتي تقدر ب ٣٤٣ م/ث تقريباً، أي أقل بمليون مرة من سرعة الضوء.. إذاً فيليكس لم يبطل أياً من قوانين ونظريات الفيزياء، بل على العكس، قفزته قدمت نموذج تطبيقي لهذه القوانين..

المجموعة الثانية:
الفكرة السائدة لديهم بأن أمريكا تحيك المؤامرات لاستهداف العرب.. للرد عليهم:
(FAI (Federation Aeronautique Internationale:www.fai.org
هي منظمة عالمية، هدفها غير مادي، تم إنشاؤها عام١٩٠٥. وظيفة هذه المنظمة الإشراف واعتماد بيانات وسجلات الأنشطة الرياضية والملاحة الفضائية والطيران. وهذه المنظمة هي المسئولة عن اعتماد الأرقام القياسية التي يتم تسجيلها في هذه المجالات، والمسئولة عالمياً عن نزاهة البيانات المعلن عنها. وهي المنظمة التي كانت مسئولة عن تسجيل سرعة وارتفاع فيليكس ، والتي اعتمدت الرقم القياسي الذي حققه.. وقد قامت بوضع ذاكرة رقمية داخل بدلة فيليكس قبل صعوده لتقوم بتخزين جميع بيانات القفزة، وقامت بأخذ هذه الذاكرة من بدلته فور هبوطه لتحليل البيانات ، ولم تعتمد هذه المنظمة أن فيليكس قد تجاوز سرعة الصوت إلا في اليوم الثاني.. بمعنى أن ناسا وريد بول ستارتوس ملزمين قانونياً وعالمياً باحترام قوانين هذه المنظمة.. نأتي الآن للحقائق المهمة:
أولاً: هذه المنظمة غير حكومية ولا تتبع لأي دولة بحد ذاتها.. الولايات المتحدة الأمريكية هي أحد الأعضاء فقط لا غير..
ثانياً: من الأعضاء المشتركين في هذه المنظمة دول عربية مثل مصر والأردن و “السعودية”.. نعم، المملكة العربية السعودية من أعضاء هذه المنظمة العالمية التي أشرفت على القفزة بأكلمها..
فلا مجال أن تكون هذه القفزة التي تابعتها جميع القنوات الدولية، والعالمية، تحت إشراف منظمة عالمية تضم معظم الدول، مؤامرة أو كذبة ..
ثالثاً: لو أرادت أمريكا أن تخدع العالم بمثل هذه القفزة التاريخية وهذا الإنجاز العلمي الضخم، لماذا لم تختر طياراً أمريكياً لينسب له الفضل ويكون سبباً في دخول أمريكا التاريخ؟ لماذا سمحوا للنمسا بدخول التاريخ وليس هم؟ ..

المجموعة الثالثة:
يرون أن القفزة بأكملها فيلم أمريكي محاك جيداً.. ما أستطيع قوله هو:
إن كانت أمريكا قد قدمت لكم بهذه القفزة نسختها الخاصة من أفلام هوليود، فلقد قدمتم لها نسختكم الخاصة من مسلسل “طاش ما طاش” .

20121019-104609.jpg

قفزة فيليكس، غير مزعومة

18 أكتوبر

يوم الأحد، الموافق ١٤ أكتوبر ٢٠١٢، أصبح العالم بأجمعه يعرف اسم فيليكس! ويتحدث عن فيليكس. لقد دخل الطيار النمساوي فيليكس باومجارتنر Felix Baumgartner ، ذو ٤٣ عاماً التاريخ بقفزته الشهيرة تحت رعاية Red bull Stratos. وفي مقالتي هذه سأحاول تقديم شرح مبسط لهذه القفزة وأهميتها وسأحاول عدم التعمق في الناحية العلمية إلا للضرورة وبصورة مبسطة جداً.. وسأسلط الضوء على بعض الملابسات التي تداولتها شبكات التواصل الاجتماعي في المجتمع العربي عن صحة وكيفية هذه القفزة..

ما أهمية قفزة فيليكس؟
لقد تعاونت العديد من الشركات العالمية منذ عدة سنوات استعداداً لهذه القفزة التاريخية. وتم صرف مبالغ هائلة لضمان نجاحها (بدلة فيليكس كلفت ما يعادل ٢٠٠.٠٠٠$ والبالون كلف ٢٥٠.٠٠٠$).. ولم تجتمع كل هذه الشركات وتستنزف الأيدي العاملة والأموال الطائلة لعدة سنوات فقط لكي يصبح فيليكس إنساناً مهماً ولم يخاطر فيليكس بحياته لمجرد السمعة والشهرة.. الهدف الأساسي تقديم بيانات عملية للأبحاث الطبية والعلمية وفتح أبواب “الاحتمالات”،  دخول التاريخ يأتي في المركز الثاني .. فنجاح فيليكس، وقدرة الجسم البشري على اختراق عقبات الغلاف الجوي والنجاة منها، سيقدم بيانات مهمة وقيمة للأبحاث الطبية والعلمية.. فعلى سبيل المثال، دراسة تأثير تسارع الجسم البشري وبلوغه سرعة الصوت ستساعد على تطوير إجراءات السلامة للطيارين ورواد الفضاء.. قامت العديد من الشركات العالمية بالمساهمة في هذا الحدث، مثل  FlightLine Films التي أمضت عدة سنوات لتصميم الكاميرات الخاصة بهذه القفزة ، وشركة David Clark التي قامت بتصميم بدلة فيليكس أو “نظام السلامة الخاص بفيليكس” كما أطلقوا عليه.. قدرة هذه الشركات على تحدي قدراتها بهذه الابتكارات الحديثة والأولى من نوعها في تاريخ البشرية، ومن ثم القدرة على اختبارها عملياً بقفزة فيليكس، سيمنح عالم التكنولوجيا دفعة جبارة للأمام..
وبالفعل، لقد دخل فيليكس التاريخ من أوسع أبوابه حين أكمل القفزة بنجاح وتم الإعلان بأن سرعته قد تجاوزت سرعة الصوت (حيث أن سرعة الصوت ٧٦٨ ميل/ ساعة وسرعة فيليكس وصلت إلى ٨٣٣.٩ ميل/ ساعة)، ليصبح أول إنسان يتحرك بهذه السرعة دون أن يكون داخل مركبة أو طائرة..
عدة تساؤلات انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعية، منها:

ما الذي يؤكد لنا أنه فيليكس؟ ولماذا لم تقم كاميرات التصوير على بدلته بالتقاط الحدث؟
احتوت الكبسولة على ١٥ كاميرا لتصوير فيليكس بكل أوضاعه، وثلاث كاميرات على جسمه ( واحدة على كل فخذ، وواحدة على الصدر) .. وقد تم إعداد كاميرات الجسم لاحتمال درجات الحرارة المنخفضة أو المرتفعة جداً.. لكن لماذا لم نرى هذا التصوير؟
أولاً: (فترة بداية القفزة حين كانت سرعة فيليكس معقولة): بعد أن هبط فيليكس تم إطلاق مقطع الفيديو الملتقط عن الكاميرا بصدر فيليكس وقد ظهر فيليكس وهو معلق في الفضاء قبل أن يدخل في وضع البرم الزاوي الشديد.. ملاحظة: الكاميرات المعلقة على جسد فيليكس تقوم بالتسجيل وليس البث المباشر، لذلك لم نر التسجيل إلا بعد هبوطه..
ثانياً: (الفترة التي وصل فيها فيليكس لسرعة الصوت): اربط كاميرا الفيديو الخاص بك بحبل، وقم بتشغيل الكاميرا وابدأ بلف الكاميرا بشكل دائري بأقصى سرعة تستطيعها لمدة دقيقة، بعدها شاهد مقطع الفيديو، ماذا سترى؟ ببساطة لاشيء .. سرعة فيليكس تجاوزت  مئات أضعاف السرعة التي يمكن أن تقوم بها حركة يدك.. ما زلنا بانتظار الفيلم الوثائقي للتأكد من اللقطات التي تم رصدها حين وصل فيليكس لسرعة لصوت، لكن لا تصابوا بخيبة أمل إذا لم تشاهدوا فيليكس مبتسماً لسيادتكم..

ما سبب عدم وجود فريق طبي بالقرب من فيليكس؟
الفريق الطبي موجود بهليكوبتر، وقد قام بمتابعة فيليكس بمساعدة جهاز إرشاد لاسلكي مثبت بداخل بدلته.. ووقت هبوطه كان الهليكوبتر بجواره، وأمضى فيليكس اليوم بأكمله يجري فحوصات طبية لدراسة تأثير القفزة عليه نفسياً وجسدياً..

 لماذا لم يحترق فيليكس كما يحدث للمذنبات مثلاً؟
فيليكس لم يحترق لعدة أسباب:
أولاً: على الرغم من سرعته التي تجاوزت سرعة الصوت، إلا أنها غير كافية لإحداث احتراق، خذ الطائرات الحربية على سبيل المثال، لا تحترق أثناء طيرانها على الرغم من أن سرعتها عالية جداً..
ثانياً: انعدام قوة الاحتكاك بين بدلة فيليكس وذرات الهواء، حيث تم تصميم البدلة من ٤ طبقات، وتقوم الطبقة الخارجية بمقاومة درجات الحرارة المنخفضة أو المرتفعة جداً، وأيضاً تمنع قوة الاحتكاك التي قد تسبب احتراق..
ثالثاً: كان ارتفاع فيليكس ٢٤ ميل فوق سطح الأرض، والغلاف الجوي الأرضي (Atmosphere) يمتد إلى ٦٢ ميل، هذا يعني أن فيليكس ما زال بداخل الغلاف الجوي، ولم يدخل إليه فجأة من الفضاء كالمذنبات فيحترق..

كيف استطاع فيليكس الهبوط بمكان قريب من مكان إقلاعه ولم يأت إلى السعودية مثلاً!
أولاً: كما ذكرت من قبل، بقاء فيليكس في نطاق الغلاف الجوي يعني أن كلاً من فيليكس وكوكب الأرض يتحركان معاً ، أي أن الأرض ثابتة تحت فيليكس.. وهذا هو السبب الأساسي الذي جعله يسقط بالقرب ( على بعد ٢٣ ميل ) من نقطة الإقلاع..
ثانياً: حسب قوانين الفيزياء للأجسام التي تسقط سقوطاً حراً تحت تأثير الجاذبية الأرضية، فإن موضع الجسم النهائي يكون مقارب لموضع الجسم الابتدائي (مكان الاقلاع)، بالذات إن كان تأثير الهواء والرياح مهملاً كما حدث في حالة فيليكس، وهذا أحد الأسباب الذي جعل الطاقم يؤجل القفزة بسبب قوة الرياح..

ربما تكون قفزة فيليكس قد فتحت له باب التاريخ، لكنها قد فتحت آلاف الأبواب أمام البحوث الطبية، العلمية، والإنجازات التكنولوجية.. الكبسولة التي ارتفعت إلى ارتفاع ٢٤ ميل بواسطة بالون فقط، هي علمٌ قائم بحد ذاته.. ناهيك عن البدلة التي فيها من المواصفات ما تحتاج إلى شرح علميّ مفصل.. لذلك، فلنترك عقدة الاضطهاد جانباً، ولنتخلص من الشعور بأن هناك دائماً مؤامرة تحاك ضدنا.. فلنتعلم تقبل الجديد وفهمه، بدل أن نحارب ما استحال علينا فهمه.. طريقنا الوحيد نحو النهضة والنمو المعرفي: البحث العلمي، لا الجهل والحماقة.

بقلم : شيرين السالمي

ماذا قدم اليوم الوطني للمبتعث ؟

27 سبتمبر

“لن يعرف معنى الغربة، إلا من شرب من كأسها”.. على الرغم من عدد المرات التي سمعتُ فيها هذه العبارة، لم أشعر بحقيقتها إلا الآن، بعد أن أصبحت “مبتعثة”.. لطالما ظننتُ بأن العقبة الوحيدة التي قد تواجه المغترب، فراق الأهل والأحباب.. واتضح فيما بعد بأن هذا الفراق ليس سوى بداية مشوارٍ طويل..
وفرت لنا الدولة بفضل من الله كل ما يلزمنا من وسائل للنجاح مادياً وصحياً، وأصبح هدفنا الأساسي والمطلوب منا النجاح علمياً.. لكن بين المقومات والهدف طريق طويل، تتخلله الكثير من العقبات والتحديات.. كمغتربة، -وأظن بأن معظم المبتعثين يشاركونني ما سأقول- وجدت نفسي في مواجهة اختبار قاسٍ للحياة.. حزمنا حقائبنا، وفارقنا الأحبة، رسمنا دموعاً على وجيه أغلى البشر.. وصلنا إلى بلد الابتعاث، نحمل في اليد حقيبة، وفي القلب دعاءٌ ورهبة، موقنين بأنه علينا أن نبني هنا “حياة جديدة”.. وحتى نتمكن من البناء، حاولنا استيعاب العالم الجديد، بلغته وناسه، بعاداته وأنظمته، طعامه وشرابه، وتأقلمنا بما يضمن لنا توازننا الديني والأخلاقي والإنساني.. تأقلمنا بما فيه الكفاية لنستشعر جمال واقعنا الجديد، ولنحيا حلماً انتظرناه.. مع ذلك، يبقى بداخلنا ذلك الإحساس بعدم الانتماء، وبأننا مجرد عابري سبيل..
هنا يأتي دور اليوم الوطني.. يظن البعض أن الغاية من احتفال المبتعثين باليوم الوطني التسلية وتمضية الوقت و”الطرب”.. لا أنكر وجود التسلية والمرح، لكن الأهم هو أن اليوم الوطني أعاد لنا “شعورنا بالانتماء”.. النشيد الوطني، الزي السعودي، الاختلاط بمبتعثين سعوديين ورؤية اللون الأخضر والأبيض، كلها جاءت كنسمات هواءٍ باردة على قلوبنا المغتربة.. في اليوم الوطني، علمتُ بأنني لست بمفردي في هذه الرحلة، وبأننا جميعاً لدينا بلد تنتظر أن نعود إليها بأعلى الشهادات.. في اليوم الوطني، علمتُ أننا بخير..
مضى اليوم الوطني، وعُدْنا لإكمال مسيرتنا العلمية.. لكن أثره أعمق من أن يُمحى.. أدعو الله العليّ القدير أن يجعلنا – المبتعثين والمبتعثات- رموزاً مشرّفة، وأن يمنحنا القوة والصبر والحكمة لنيل أعلى الدرجات العلمية، لنعود لأحبابنا بما يثلج قلوبهم، ولنثبت للعالم أننا فعلاً جديرون “بالعلم”..